أحمد مصطفى المراغي
157
تفسير المراغي
قدرته عليك إذا أنت غفلت عن ذلك ، ومن غفل عن ذكره تعالى مرض قلبه ، وضعف إيمانه ، واستحوذ عليه الشيطان فأنساه نفسه . ثم ختم سبحانه هذه الآيات بما يؤكد به الأمر والنهى السابقين فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ) أي إن ملائكة الرحمن المقرّبين عنده لا يستكبرون عن عبادته كما يستكبر عنها هؤلاء المشركون ، وينزهونه عن كل ما لا يليق بعظمته وكبريائه وجلاله ، وعن اتخاذ الندّ والشريك كما يفعل الذين اتخذوا من دون اللّه شفعاء وأندادا يحبونهم كحبه ، وله وحده يصلون ويسجدون ، فلا يشركون معه أحدا ، فالواجب على كل مؤمن أن يجعل خواص الملائكة والمقربين إليه تعالى من حملة عرشه والحافّين به أسوة حسنة له في صلاته وسجوده وسائر عبادته . وقد شرع اللّه لنا السجود عند تلاوة هذه الآية أو سماعها ، إرغاما لمن أبي ذلك من المشركين ، واقتداء بالملائكة المقربين ، ومثلها آيات أخرى ستأتي في مواضعها ، وقد كان صلى اللّه عليه وسلم يقول في سجوده لذلك : « اللهم لك سجد سوادي ، وبك آمن فؤادي ، اللهم ارزقني علما ينفعني ، وعملا يرفعني » . وفي الآية إرشاد إلى أن الأفضل إخفاء الذكر ، وقد روى أحمد قوله صلى اللّه عليه وسلم : « خير الذكر الخفي » فأين هذا مما يفعله جهلة زماننا الذين يجأرون في ذكرهم بأصوات منكرة يستقبحها الدين والعقل والعرف ، ولا علاج لمثل هذا إلا حملة نكراء من رجال الدين عليهم حتى يتفهموا ما طلبه الدين وما رمى إليه من التضرع إليه تعالى خفية ودون الجهر بالقول . وصلى اللّه على سيدنا محمد النبي الأمى وعلى آله وصحبه وسلم . خلاصة ما اشتملت عليه السورة من الأغراض والمقاصد يمكن إجمال القول في الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة الكريمة فيما يلي : ( 1 ) التوحيد : وهو يتضمن دعاء اللّه وحده وإخلاص الدين له وتخصيصه بالعبادة ، فإنه شارع الدين فيجب اتباع ما أنزله ولا يجوز اتباع الأولياء من دونه